الصباح الأبيض
كتبها بوعلام مبروك ، في 15 ديسمبر 2008 الساعة: 21:02 م
كان يجوب شوارع المدينة، شارعا شارعا، بعد قضاء ليلة كاملة حارسا لإحدى الإقامات الجامعية، يسير في الطرقات ماضيا إلى مقصوده ومبتغاه. كان الثلج يتساقط بغزارة ودوي الرعود الثلجية يتواصل، فكر مليا أين يذهب والطريق مقطوع في كل الاتجاهات؟ خصوصا الطريق المؤدي إلى منزله على مسافة 38 كلم جنوبا.فكّر وقدّر والخواطر تزدحم في عقله وتملأ ذاته، كل الأبواب موصدة.. ومن حسن الحظ أن المقاهي مفتوحة. فضل مقهى الساحل الذهبي القريب من المسجد بحي الكرز، لتناول فنجان قهوة بالشكولاطة، جلس إلى الطاولة التي حددها وهو يلج المقهى، وما إن أخذ مكانه حتى جاءه النادل.
- صباح الخير سيدي بم أخدمك؟
- فنجان قهوة .. بالشيكولاطة من فضلك.. ولا تنسى كوب الماء.
كان النادل في غاية الأدب وحسن الاستقبال، تطبع ثغره ابتسامة عريضة. وعلى جناح السرعة كانت القهوة أمامه على الطاولة، قهوة مضبوطة ومعصورة على المزاج. راح يرتشف منها ما يهدا باله ويدفئ البرودة التي كانت تجتاح داخله، تلك البرودة الشديدة التي جمعها وهو يسير بخطاه الوئيدة فجر هذا اليوم الخامس عشر من ديسمبر، كان ينظر من خلال الزجاج الشفاف إلى الشارع الطويل وهو يسمع دوي الرعود ويلمح تهاطل الثلوج كأنها قطن مندوف، وقد لبس الشارع حلة بيضاء في ما اكتست المنازل والمباني قطعا من الثلج فاستحالت عروسا يوم زفافها. لم يكن يستطع مقاومة الخواطر المزدحمة التي باتت تحاصر فكره وخياله، لقد كان محور تفكيره ذاك هو ما مصير عائلته في هذا اليوم الثلجي البارد؟ أسرته التي تتكون من أم محمود زوجته وأبناءه الثلاثة وكيف يعيشون في ذلك البيت القصديري المسقوف بالصفيح .. لا شك أن ذرات الماء الثلجية تتسرب من كل جانب. متسائلا كيف يعيش هؤلاء الزغب الحواصل محمود ومعاذ ومنى، خصوصا منى التي أحاطت بمجامع قلبه .. ربما الحالة المرضية هي التي قربتها منه أكثر، فمنذ شهرين أصيبت بكسر على مستوى كتفها الأيسر ولم يمض على نزع الجبيرة الجنسية إلا شهر ونصف، وهذا هو الكسر الثالث في نفس المكان.
قيل له: بأنها مصابة بهشاشة العظام عافاها الله، لهذا نجد منه هذا الإقبال وهذه العناية.
كانت الأفكار تزدحم وتمر مر السحاب، نظر إلى هاتفه النقال ليرى كم الساعة؟
آه إنها السابعة وخمس وخمسون دقيقة. مضى على جلوسه بالمقهى أكثر من ساعة ونصف، وهاهو الوقت يمر سريعا، لدرجة أنه لم يشعر بذلك. ولكي يخرج من عزلته اللاشعورية فضّل قراءة الجريدة اليومية، تصفحها تصفح المجنون، متدرجا بدءا من العناوين إلى الصفحة الأخيرة، لم يجلب انتباهه غير الرسم الكاريكاتوري الذي فضل صاحبه تناول حصار غزة، غزة الحمامة المقيدة بين فكي أفعوانين .. تأمل الرسم وهو يعتقد جازما أن صاحبه يقصد تحالف أمريكا وإسرائيل على هذا الحصار الجائر. تأسف كثيرا وهو يطلق آهات الحزن على هذا المصير السيئ للقضية العادلة. وضع الجريدة جانبا في حالة لا إرادية، دفع أجر فنجان القهوة وغادر المقهى.
تلمسان في 17 ذي الحجة 1429 هـ الموافق 15 ديسمبر 2008
مبروك بوعلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:قصص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























